الخبر عن رياسة بني يملول بتوزر وبني الخلف بنفطة

وبني أبي منيع بالحامة زعيم هؤلاء الرؤساء ابن يملول صاحب توزر لاتساع بلده وتمدن مصره واحتلاله منها بأم القرى من قطره وهو يحيى بن محمد بن يملول‏.‏ونسبهم بزعمهم في طوالع العرب من تنوخ استقر أولوه بهذا الصقع منذ أول الفتح فعفوا وتأثلوا ووشجت به عروقهم نسباً وصهراً حتى انتظموا في بيوت الشورى المتقدمين للوفادة على الملوك وتلقي العمال القائمين من دار الخلافة والنظر في مصالح الكافة أيام آل حماد بالقلعة وآل عبد المؤمن بمراكش وآل أبي حفص بتونس‏:‏ مثل بني واطاس وبني فرقان وبني ماردة وبني عوض‏.‏وكان التقدم فيهم أيام عبيد الله الشيعي لابن فرقان وهو الذي أخرج أبا يزيد حين شعر أنه يروم القيام على أبي القاسم القائم وأيام آل حماد ليحيى بن واطاس وهو النازع بطاعة أهل قسطنطينة إليهم عن آل بلكين ملوك القيروان حين انقسمت دولة آل زيري وافترق أمرهم‏.‏ثم عادت الرياسة لبني فرقان لأول دولة الموحدين ومنهم كان الذي لقي عبد المؤمن وأتاه الطاعة عن نفسه وعن أهل بلده توزر فتقبله ووصله‏.‏وصار الأمر للموحدين فمحوا منها آثار المشيخة والاستبداد‏.‏ونشأ أحمد هذا الجد مترامياً إلى الرياسة بهذا القطر يدافع عنه بالراح ويزاحم بالمناكب من وجوه البلد وأشراف الوطن‏.‏وسعى به إلى شيخ الموحدين وقائد العسكر أيام السلطان أبي حفص محمد الفازاري فنكبه وصادره على مال امتحنه عليه‏.‏كانت أول نكباته التي أورت من زناده وأذكت من جمره فخلص إلى الحضرة يؤمل اقتعاد مطيته وثبوت مركزه من دار الخلافة فأوطنها أياماً يباكر أبواب الوزراء والخاصة ويلثم أطراف الأولياء والحاشية ويبذل كرائم ماله فيما يزلفه لديهم ويؤثره بعنايتهم حتى استعمل بديوان البحر مقعد العمال بمرفأ السفن لجباية الأعشار من تخار دار الحرب‏.‏ثم استضاف بما كان من غنائه فيها واضطلاعه سائر أعمال الحضرة فتقلدها زعيماً بإمضاء الجرايات وإدرار الجباية واستمرت على ذلك حاله وتضاعفت فائدته فأثرى واحتجن المال واستخلص الذخيرة قاطعاً لألسنة السعاية المصانعة والإتحاف بطرف ما يجلبه الروم من بضائعهم حتى أبطره الغنى ودلت على مكامنه الثروة ورفع أمره إلى الحاجب فخرج التوقيع بالقبض عليه واستصفاء ماله لعهد السلطان أبي يحيى اللحياني فنكب الثانية وصودر على مئتين من آلاف الدنانير وامتحن لها وباع فيها مكسوبه حتى من الكتب‏.‏وخلص من النكبة مثلوب الأمانة ممزق الأديم فقيد الرياش أحوج ما كان إلى ما يعوز عن الكن والدفء وبلالة العيش‏.‏ولحق ببلده ناجياً بالرمق ضارعاً للدهر‏.‏ودفعه الملأ إلى ما يستنكفون عنه من خدمة العمال ومباكرة أبوابهم والامتهان في ضروراتهم وأنجده في ذلك بخت جذب بضبعه‏.‏وكان في خلال ذلك شغل الحضرة شأن الثغور الغربية وأمرائها فتقلص ظل الدولة عن هؤلاء بعض الشيء وهملت الرعايا بالبلاد الجريدية وصار أمرها إلى الشورى التي كانت عليها قبل‏.‏فلما أدرك أحمد هذه الشورى التي كان يسمو لها سمو حباب الماء ثلج صدره وأنجح سعيه واستبد بمشيخة توزر‏.‏وهلك في أعوام ثماني عشرة فخلفه من بعده في سبيله تلك ولده يحيى طموحاً إلى المرتبة منافساً في الاستقلال‏.‏وزاحم بيوتات المصر بمناكب استوصلها سائر عمره من الدعار والأوغاد بمعاقرة الخمر والمجاراة في فنون الشباب ليستبد أمره والاستيلاء على نظرائه حتى تطارحوا في هوة المهلك بين قتيل ومغرب ومخيف العمران لم تعطفه عليهم عواطف الرحم ولا زجره وازع التقوى والسلطان حتى خلا له الجو واستوسق الأمر واستقر من أمر البلد والحل والعقد بأوفى من استبداد أبيه‏.‏وكان مهلكه قريباً من استبداده لخمس سنين فتلقف الكرة من يده أخوه تربه في الرياسة ومجاريه في مضمارها فأجرى إلى الغاية واقتعد كرسي الرياسة وعفا على آثار المشيخة‏.‏واستظهر على أمره بمصانعة أمراء البدو وأولاد أبي الليل والمتات إليهم بصهر كان عقده أبوه أحمد لأبي الليل جدهم على أخته أوعمته‏.‏فكانوا رداء له من الدولة فبعد صيته وعظم استيلاؤه وامتدت أيامه وعنى الملوك بخطابه وإسناد الأمور في تلك البلاد إليه خلال ما تعود الكرة وتهب ريح الدولة‏.‏وزحف إليه القائد محمد بن الحكيم سنة أربعين فلاذ منه بالطاعة والمصانعة بالمال ورهنه ولده يحيى فرجعه إليه ابن الحكيم وتقبل طاعته من غير رهن استقامة لما ابتلاه من خلوصه‏.‏وأقام على ذلك إلى أن هلك أعوام أربعة وأربعين من المائة الثامنة‏.‏وتصدى ولده عبد الله للقيام بالأمر فوثب عليه عمه أبو زيد بن أحمد فقتله على جدث أبيه صبح مواراته بعد أن كان أظهر الرضى به والتسليم له فثارت به العامة لحينه وكان مصرعهما واحداً‏.‏وقام بالأمر أخوه يملول بن أحمد أربعة أشهر كانت شر مدة وأسوأ ولاية لما أصاب الناس بسوء ملكته من سفك الدماء واستباحة الحرم واغتصاب الأموال حتى كان ينسب إلى الجنون مرة وإلى الكفر مرة أخرى فمرج أمرهم واستولى الضجر على نفوسهم‏.‏وكان أخوه أبو بكر معتقلا بالحضرة فراسله أهل توزر سراً وأطلقه السلطان من محبسه بعد أن أخذت عليه المواثيق بالطاعة والوفاء بالجباية فصمد إليها بمن في لفه من الأعراب وحشد نفزاوة المجاورين لها في القرى الظاهرة المقدرة السير وأجلب عليهم ثم بيتها فافتتحها‏.‏وبادر الناس إلى القبض على يملول أخيه وأمكنه منه فاعتقله بداره وتبرأ من دمه وأصبح لثالثة اعتقاله ميتاً بمحبسه‏.‏وكانت قفصة من قبل ذلك لما صار أمر الجريد إلى الشورى قد استبد بها يحيى بن محمد بن علي بن عبد الجليل بن العابد من بيوتها ونسبهم في زعمهم في بلى ولهم خلف بزعمهم في الشريد من بطون سليم‏.‏والله أعلم بأولية نزولهم بقفصة حتى التحموا بأهلها وانتظموا في بيوتاتها‏.‏وكانت البيوت بها بيت بني عبد الصمد وبيت بني أبي زيد وكانت رياسته لبعض بني أبي زيد لعهد الأمير أبي زكرياء الأعلى كان يستعمله على جباية أموال الجريد ثم سعى به أنه أصاب منها فنكبه وصودر على آلاف من المال فأعطاها وأقامت رياستهم متفرقة في هذه البيوتات‏.‏ولما حدثت العصبية بالبلد أيام صار أمر الجريد إلى الشورى كان بنو العابد هؤلاء أقوى عصبية من سائرهم واستبد بها كبيرهم يحيى بن علي‏.‏فلما فرغ السلطان من شغله بزناتة وجثم السلطان أبو الحسن على تلمسان يحاصرها‏.‏وأقبل السلطان على النظر في تمهيد ملكه وإصلاح ثغوره وافتتح أمره بغزو قفصة ونهض إليها سنة خمس وثلاثين في عساكره من الموحدين وطبقات الجند والأولياء من العرب فحاصرها شهراً أو نحوها وقطع نخيلها وضاق عنقهم بالحصار وتلاوموا في الطاعة‏.‏واستبقوا بها إلى السلطان وفر الكثير من بني العابد فلحقوا بقابس في جوار ابن مكي‏.‏ونزل أهل البلد على حكم السلطان فتقبل طاعتهم وأحسن التجاوز عنهم وبسط المعدلة فيهم وأحسب أمل ذوي الحاجات منهم وانكفأ راجعاً إلى حضرته بعد أن آثرهم بسكنى ولده المخصوص بعدئذ بعهده الأمير أبي العباس وأنزله بين ظهرانيهم وعقد له على بلاد الجريد واحتمل مقدم قفصة يحيى بن علي إلى الحضرة فلم يزل بها إلى أن هلك سنة ربع وأربعين وأستبد الأمير أبو العباس بأمر الجريد واستولى على نفطة كما قدمناه‏.‏وقتل بني خلف وهم‏:‏ مدافع وأبو بكر وعبد الله ومحمد وابنه أحمد بن محمد أخوة أربعة وابن أخيهم الخلف بن علي بن الخلف بن مدافع ونسبهم في غسان في طوالع العرب‏.‏وانتقل جدهم من بعض قرى نفزاوة إلى نفطة وتأثل بها وكان لبنيه بها بيت‏.‏واستبد هؤلاء الأخوة الأربعة أزمان الشورى كما قدمناه‏.‏ولما استولى السلطان أبو بكر على الجريد وأنزل ابنه أبا العباس بقفصة وعقد له على سائر أمصاره اقتضى طاعتهم فامتنعوا فسرح إليهم وزيره أبا القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين‏.‏وجهزت له العساكر من الحضرة ونازلها وقطع نخلها فلاذ أهلها بالطاعة وأسلموا بني مدافع المتغلبين فضرب أعناقهم وصلبهم في جذوع النخل آية للمعتبرين‏.‏وأفلت السيف منهم علياً صغيرهم لذمة اعتدها له أبو القاسم بن عتو لنزوعه قبل الحادثة فكانت واقيته من الهلكة‏.‏واستولى الأمير أبو العباس على نفطة واستضافها إلى عمله‏.‏ثم مرض أبو بكر بن يملول في طاعته فنهض إليه السلطان أبو بكر من تونس سنة خمس وأربعين وكان الفتح كما قدمناه‏.‏ولحق أبو بكر بن يملول ببسكرة فلم يزل بها إلى أن أجلب على توزر فنبذ إليه يوسف بن مزني عهده وانتقل إلى حصون وادي ابن يملول المجاورة لتوزر وهلك سنة ست وأربعين‏.‏ثم كان مهلك السلطان وابنه الأمير أبي العباس صاحب الأعمال الجريدية إثر ذلك سنة سبع وأربعين ورجع إلى كل مصر من الجريد مقدموه فرجع أحمد بن العابد إلى قفصة من مكانه في جوار ابن مكي واستولى على بلده في مكان ابن عمه يحيى بن علي ورجع علي بن الخلف إلى نفطة واستبد بها ورجع يحيى بن محمد بن أحمد بن يملول إلى توزر من مثوى اغترابه ببسكرة وارتحل إليها مع عمه أبي بكر طفلا فلما خلا الجديد من الإمارة درج يحيى هذا من عشه في جوار يوسف بن منصور بن مزني وأطلقه مع أولاد مهلهل من الكعوب بعد أن وصلهم وشارطهم واسترهن فيه أبناءهم فأوصلوه إلى محل رياسته بتوزر ونصبه شيعته وأولياء أبيه وقاموا بأمره‏.‏ورجع أمر الجريد كله إلى رياسة مقدمه كما كان‏.‏ثم وفدوا على السلطان أبي الحسن عند زحفه إلى إفريقية ولقوه بوهران فلقاهم مبرة وتكرمة ورجع كلاً إلى بلده ومحل رياسته بعد أن أسنى الجائزة ووفر الإسهام والأقطاع وأنفذ الصكوك والكتب‏:‏ فرجع إلى توزر يحيى بن محمد بن أحمد بن يملول صبياً مغتلماً وإلى نفطة علي بن الخلف بن مدافع وإلى قفصة أحمد بن عمر بن العابد‏.‏وأنزل بكل واحد من هذه الأمصار عاملا وحامية‏.‏وعقد على الجريد كله لمسعود بن إبراهيم بن عيسى اليرنياني من طبقة وزرائه واستوصى لهؤلاء الرؤساء خيراً في جواره‏.‏حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان سنة تسع وأربعين وارتحل عامل الجريد مسعود بن إبراهيم يريد المغرب بمن معه من العمال والحامية ونمي خبره إلى الأعراب من كرفة فصبحوه في بعض مراحل سفره دون أرض الزاب فاستلحموه ومن كان معه من الحامية واستولوا على أبنيتهم وذخيرتهم وكراعهم واستبد رؤساء تلك البلاد بأمصارهم وعادوا إلى ديدنهم من التمريض وآذنوا بالدعاء لصاحب الحضرة منابرهم واستمروا على ذلك‏.‏فأما يحيى بن محمد بن يملول فنزع إلى مناغاة الملوك في الشارة والحجاب واتخاذ الآلة والبيت المقصور للصلاة واقتعاد الأريكة وخطاب التمويل‏.‏وفسح للمجون والعكوف على اللذات مجالا يرى أن جماع السياسة والملك في إدارة الكأس وافتراش الآس والحجبة عن الناس والتأله على الندمان والجلاس‏.‏وفتح مع ذلك على رعيته وأهل إيالته باب العسف والجور‏.‏وربما بيت مشاهيرهم غيلة فأتلف نفوسهم وامتد أمده في ذلك إلى أن استولى السلطان أبو العباس على إفريقية وكان من أمره ما نذكره‏.‏وأما جاره الجنب علي بن الخلف فلم يلبث لما استبد برياسته أن حج سنة أربع وستين والتزم مذاهب الخير وطرق الرضى والعدالة وهلك سنة خمس بعدها وولي مكانه ابنه محمد جارياً على سننه‏.‏ثم هلك لسنة من ولايته وقام بأمره أخوه عبد الله بن علي فأذكى سياسته وأيقظ حزمه وأرهف للناس حلى فنقموا عليه سيرته وسيموا عسفه واستمكن مناهضهم في الشرف ومحاذيهم في رياسة البلد القاضي محمد بن خلف الله من صاحب الحضرة بذمة كانت له في خدمة قديمة استعمله لرعيها في خطة القضاء بحضرته وآثره بالمكان منه والصحبة فسعى بعبد الله هذا عند الخليفة ودله على مكامن هلكته وبصره بعورات بلده‏.‏واقتاد عساكر السلطان إليه في زمامه‏.‏ولما احتل بظاهر البلد وعبد الله رئيسها أشد ما كان قوة وأكثر جمعاً وأمضى عزماً استألف أخوه الخلف بن علي بن الخلف جماعة المشيخة دونه وحرضهم عليه وداخل القاضي في تبييت البلد وأنه بالمرصاد في اقتحامها حتى إذا كانت الهيعة دس إلى بعض الأوغاد في قتل أخيه عبد الله ومكر بالقاضي والعسكر وامتنع عليهم واعتصم دونهم واستقل برياسة بلده وأقام على ذلك يناغي ابن يملول في سيره ويطارحه الكثير من مذاهبه ويجري في الشأو الذي بلغ إلى غايته وأوفى على ثنيته‏.‏وأما أحمد بن عمر بن العابد فلم يزل من لدن استبداده في قفصة سالكاً مسالك الخمول منحطاً عن رتب التكبير منتحلا مذاهب أهل الخير والعدالة في شارته وزيه ومركبه جانحاً إلى التقلل‏.‏فلما أوفى على شرف من العمر استبد عليه ابنه محمد وترفع عن حال أبيه بعض الشيء إلى مناغاة هؤلاء المترفين فبينما هؤلاء المتقدمون في هذه الحال من الاستبداد على السلطان والتخفق بأخلاق الملوك والتثاقل على الرعايا بالتعسف والجور واستحداث المكوس والضرائب إذا أطل على مفاحصهم السلطان أبو العباس الحضرة مستبداً بدعوته صارفاً إلى فتحها عزائمه فوجموا وتوجسوا الخيفة منه‏.‏وائتمروا في المظاهرة واتصال اليد بعد أن كانوا يستحثونه إلى الحضرة ويبعثون إليه بالانحياش على البعد زبوناً على صاحب الحضرة وتراوغاً عن مصدوقة الطاعة‏.‏فلما استبد السلطان أبو العباس بالدعوة استرابوا في أمرهم وسربوا أموالهم في الأعراب المخالفين على السلطان من الكعوب يؤملون مدافعتهم عنهم فشمر لها أولاد أبي الليل بما كان وقع بينهم وبين السلطان من النفرة‏.‏ونهض إليهم السلطان فغلبهم على ضواحي إفريقية وعلى الظواعن التي كانت جبايتها لهم من مرنجيزة كما قلناه واكتسحهم فأوهن بذلك من قوتهم‏.‏ثم زحف الثانية إلى أمصار الجريد فلاذوا بالامتناع فأناخ السلطان بعساكره وأوليائه من العرب أولاد مهلهل على قفصة فقاتلوها يوماً أو بعض يوم وغدا في ثانيه على خيلهم يقطعها فكأنما يقطع بذلك أمعاءهم فتبرأوا من مقدمهم وشعر بذلك فبادر إلى السلطان ونزل على حكمه فتقبض عليه وعلى ابنه شهر ذي القعدة من سنة ثمانين وتملك البلد واستولى على ديار ابن العابد بما فيها‏.‏وكان شيئاً لا يعبر عنه لطول أيامه في الولاية وكثرة احتجانه للأموال‏.‏وعقد السلطان على قفصة لابنه أبي بكر وارتحل يريد توزر وطار الخبر لابن يملول في توزر فقوض عنها بأهله ونزل على أحياء مرداس وسرب فيهم المال فرحلوا معه إلى الزاب ولحق ببسكرة مأوى نكباته ومنتهى مفره فنزل بها على أحمد بن يوسف بن مزني وأقام هنالك على قلعة من توقع مطالبة السلطان له ولجاره ابن مزني وخسارة أموالهم في زبون العرب وسوء المغبة إلى أن هلك لسنة أو نحوها‏.‏وائتمر أهل توزر بعد تقويضه عنهم وبعثوا إلى السلطان ببيعتهم فلقيته أثناء طريقه وتقدم إلى البلد فنزل بقصور ابن يملول واستولى على ذخيرته وتبرأ إليه أهل البلد من ودائع كانت له عندهم من خالص الذخيرة فرفعوها إلى السلطان‏.‏وعقد لابنه المنتصر على توزر واستقدم الخلف بن الخلف من نفطة وكان يخالف أصحابه إلى الطاعة متى نقضوها زبوناً على يملول وسالفة من العداوة كان يتقبلها‏.‏فلما أحيط بهم أدركه الدهش بطاعته فأتاها وقدم عليه فتقبل السلطان ظاهره وأغضى له عن غيرها طمعاً في استصلاحه وعقد له على حجابة ابنه المنتصر وأنزله معه بتوزر وأمره بالاستخلاف على بلده نفطة وعقد له على ولايتها وانكفأ راجعاً إلى الحضرة وقدم ابن الخلف على أمره ورأى أنه قد تورط في الهلكة فراسل ابن يملول بمكانه من توزر وعثر أولياء السلطان على كتابه إلى يعقوب بن علي شيخ رياح ومدره حروبهم على صريخ ابن يملول ومعونته فعلموا نكثه ومداجاته وبادروا إلى التقبض عليه وولوا على نفطة من قبلهم وخاطبوا السلطان بالشأن وأقام في اعتقاله إلى أن كانت حادثة قافصة وكان من خبر قفصة أن ابن أبي زيد من مشيختها كان نزع إلى السلطان قبل فتحها هو وأخوه لمنافسة بينهما وبين ابن العابد وهما‏:‏ محمد وأحمد ابنا عبد العزيز بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عمر بن أبي زيد‏.‏وقد ذكرنا أوليتهم واستعمال سلفهم أيام الأمير أبي زكرياء الأعلى في جباية الجريد‏.‏فلما استولى على البلد رعى لهما تشيعهما وبدارهما إلى طاعته مع قديمهما فأنزلهما مع ابنهما بقفصة وكبيرهما رديف لحاجبه عبد الله من الموالي الأتراك ومدبر لأمور البلد في طاعة السلطان‏.‏ثم نزغ الشيطان في صدره وحدثته نفسه بالاستبداد وأقام يتحين له الفرص‏.‏وذهب الأمير أبو بكر إلى زيارة أخيه بتوزر فكاده في التخلف عنه وجمع أوشاباً من الغوغاء والزعانف وتقدم بهم إلى القصبة للفتك بعبد الله التريكي ونذر بذلك فأغلق أبواب القصبة وبعث الصريخ في أهل القرى وقاتلهم ساعة من نهار حتى وافى إليه المدد‏.‏فلما استغلظ بمدده أدركهم الدهش وانفض الأشرار من حولهم ولجأوا إلى الاختفاء في بيوت البلد وتقبض على الكثير ممن داخلهم في الثورة ووصل الخبر إلى الأمير أبي بكر بتوزر فبادر إلى مكانه وقد سكنت الهيعة فاستلحم جميع من تقبض عليه حاجبه وناس في الناس بالبراءة من أبي زيد فتبرأوا منه‏.‏وعثر الحرس عليه وعلى أخيه خارجين من أبواب البلد في زي النساء فقادهما إليه فقتلهما بعد أن مثل بهما‏.‏وبادر المولى المنتصر بتوزر لقتل الخلف بن الخلف أن يخوض في مثلها فذهب في غير مرحمة لم يعطف عليه رحم ولا تكنه سماء ولا أرض‏.‏واستبد السلطان بالجريد ومحا منه آثار المشيخة وعفا عليها وانتظمه في عمالات السلطان‏.‏وأما بلد الحامة وهي من عمالات قسطيلية وتعرف بحامة قابس وحامة مطماطة نسبة إلى أهلها الموطنين كانوا بها من البربر وهم فيما يقال الذين اختطوها وأما الآن ففيها ثلاث قبائل من توجن وبني ورياجن وهم في العصبية فرقتان‏:‏ أولاد يوسف ورياستهم في أولاد أبي منيع وأولاد جحاف ورياسهم في أولاد وشاح ولا أدري كيف نسب لفرقتين‏.‏فأما بنو أبي منيع فالحديث عن رياستهم في قومهم أن جدهم رجا بن يوسف كان له ثلاثة من الولد وهم‏:‏ بوساك ويحمد وملالت وأن رئاسته بعده كانت لابنه بوساك ثم ابنه أبي منيع من بعده ثم لابنه حسن بن أبي منيع ثم لابنه محمد بن حسن ثم لأخيه موسى بن حسن ثم لأخيهما ابن علان إلى أن كان ما نذكر‏.‏وأما أولاد جحاف فكانت أول رياستهم لمحمد بن أحمد بن وشاح وقبله خاله القاضي عمر بن كلى‏.‏وكان العمال من الحضرة يتعاقبون فيهم إلى أن أسقط السلطان عنهم الخراج والمغارم بأمرها‏.‏وكان مقدمهم لأول دولة السلطان أبي بكر من أولاد أبي منيع وهو موسى بن حسن‏.‏وكان المديوني قائد السلطان والياً عليهم وارتاب بهم بعض الأيام وأحبوا الثورة به فدس بها إلى السلطان في بعض حركاته وغزاهم بنفسه ففروا وأدرك سبعة من أولاد يوسف هؤلاء وتقبض عليهم فقتلوا‏.‏ثم رجع الأمر وولي موسى بن حسن‏.‏ولما هلك ولي بعده أخوه أبو علان وطال أمد ولايته عليهم وكان منسوباً إلى الخير والعفاف‏.‏وهلك سنة اثنتين وأربعين وولي بعده ابنه عمر ثم ابنه الآخر أبو زيان‏.‏ثم ولي بعدهما ابن عمهما مولاهم ابن محمد‏.‏ووفد على السلطان أبي الحسن مع وفد أهل الجريد كما مر‏.‏ثم هلك فولي بعده من بني عمهم حسان بن هجرس وثار به محمد بن أحمد بن وشاح من أولاد جحاف المذكوا فعزله وأقام في ولايتها إلى سنة ثمان وسبعين فثار به أهل الحامة وقتلوا عمر بن كلى القاضي وولوا عليهم حسان بن هجرس واليهم‏.‏ثم ثار به يوسف واعتقله وهو يوسف بن عبد الملك بن حجاج بن يوسف بن وشاح وهو الآن مقدمها يعطي طاعة معروفة ويستدعي العامل في الجباية ويراوغ عن المصدوقة والغلب والاستيلاء وقد أحاط به من كل جهة‏.‏وأملى علي بعض نسابتهم أن مشيخة أهل الحامة في بني بوساك ثم في بني تامل بن بوساك‏.‏وأن تامل أول من رأس عليهم وأن وشاحاً من ولد تامل وأن بني وشاح على فرقتين‏:‏ بنو حسن وبنو يوسف فحسان بن هجرس ومولاهم وعمر وأبو علان كلهم من بني حسن ومحمد بن أحمد بن وشاح من بني يوسف وهذا مخالف للأول والله أعلم بالصحيح في أمرهم‏.‏فأما نفزا وأعمال قسطيلية وتنسب لهذا العهد إلى توزر وهي القرى العديدة المقدرة السير يعترض بينها وبين توزر إلى القبلة عنها السبخة المشهورة المانعة من الاعتساف إلا معالم قائمة من الخشب يهتدي بها السالك وربما يضل خائضها فتبتلعه‏.‏ويسكن هذه القرى قوم من بقايا نفزاوة من البرابرة البتر أبقوا هنالك بعد انقراض جمهورهم وتحيف العرب لسائر بطون البربر ومعهم معاهدون من الفرنجة ينسبون إلى سردانية نزلوا على الذمة والجزية وبها الآن أعقابهم ثم نزل عليهم من عرب الشريد وزغب من بني سليم كل من عجز عن الظعن وملكوا بها العقار والمياه وكثروا نفزاوة وهم لهذا العهد عامة أهلها وليس في نفزاوه هذه رياسة لصغرها ورجوعها في الغالب إلى أعمال توزر ورياستها‏.‏هذا حال للمتقدمين ببلاد الجريد في الدولة الحفصية أوردنا أخبارهم فيها لأنهم من صنائعها وفي عداد ولايتها ومواليها والله متولي الأمور‏.‏